توقف المصعد بغتة بركابه
أثناء صعوده
كان (كرسبى) أول من نطق:
ما هذا العبث ؟
ومد يده عشوائياً ليضغط على أزرار المصعد .. مد
(مدار) يده إلى زر فتح الباب ضغط عليه .. لم يفتح .. حاول عدة مرات لم
يستجب .. رفعت (لوييز) سماعة الهاتف الداخلى لتضغط رقم (9) كما هو مكتوب
لتتصل بالأمن .. قالت:
"
يبدو أن
الهاتف
معطل
"
شعر (تشن)
بالقلق فهو لا يود أن يتورط فى مشكلة ليسئل بعدها من أنت ؟ وهل لك دخل بما
حدث ؟ ولمـاذا ؟ وكيـف؟ .. لماذا ينظر إلىَّ هذا البدين ألم تر بشراً من
قبل؟
قال (مدار):
بالإنجليزية
وهو يزيح (لوييز) التى بدأت تعبث بلوحة المفاتيح بعصبية .. "عن إذنك يا
سيدتى فأنا أجيد هذه الأشياء" .
نظرت له (لوييز) بعصبية صارخةً:
"هل ستسقطنا؟ ونظرت إلى (كرسبى) الأقرب
إليها قائلة: هل ستدعه يعبث به ليسقطنا؟"
سأله (كرسبى) الذى إمتلأ شهامة وهو يضع منديله
المعطرعلى
أنفه:
"هب
أنت فنى مقاعد ؟ يقصد أن يقول: هل أنت فنى مصاعد؟"
رد (مدار):
"لا أنا كهربائى ولكنى تدربت فترة على مثل هذه الدوائر".
وأخرج علبة صغيرة من جيبه لاتفارقه منذ كان فى الخامسة عشر من عمره بها
عِدد ومفكات صغيرة .. شرع يفك بإحداها مسامير اللوحة بيد ماهرة سريعة ،
صرخت (لوييز) لتوتر الجميع بصوتها الحاد فى المكان الضيق
"
سيسقطنا .. أرجولك لا تفعـل .. لا تفعل .. لدى ميعـاد".
قال لها (مدار):"
سيدتى جميعاً لدينا مواعيد فلا
يوجد
أحمق يتنزه فى المصاعد".
قال
له
(رحال)
محذراً:
"خذ حذرك لو سمحت .. فأى خطأ لن يكون بعده سوى معاد واحد .. ماذا
تنوى أن تفعل؟"
قال وهو يزيح اللوحة جانباً لينظر إلى الدائرة المعقدة المتصلة بها:
"
سأحاول
أولاً فتح الباب ثم بعدها أرى السبب الذى أدى لذلك التوقف المُفاجئ .. آآه"
مخرجاً قطعة صغيرة .. شهق الجميع وتراجعوا للوراء
تمتم
بتعجب من خوفهم
:
"
ماذا هنـاك؟ هذا هو سبب عدم فتح الباب لقد قُضمت دعامته المطاطية"
.. نزع
زر المصعد السادس بسرعة ووضعه مكان الآخر .. وضغط عليه .. أغمض
(رحال)
عيناه
وتلى
الشهادتين .. الحمد لله الباب فتح بسهولة كاشفاً عن حائط مصمت
قال (ديالو) فاتحاً عينيه وقد علم لتوه بحدوث مشكلة:
"
ما هذا الحائط الغبى؟
.. هل سينزل أحد هنـا؟"
كان المصعد معلقاً بين الطابقين 18 ، 20 تماماً كما تظهر اللوحة المخصصة
لذلك وتبدو فرجة ضيقة منه بحجم ثلاث أصابع من باب مصعد الطابق الثامن عشر
حاول (ديالو) دفع السقف بلا فائدة .. بدا منيعاً ، لذلك تخلى (كرسبى) عن
مناديله وشرع يدق على الجزء الواضح من الباب قائلاً:
"أنتم يا من بالخارج هنا .. لدى ميعاد للتصوير .. سأقاضيكم على هذا التأخير
.. ستقاضيكم
منظمة
البيئة الأوروبية
أيضاً
..لدينا العديد من المحامين المتأنقين الذين لا هم لهم سوى هذه المشاكل
".
الآن حدث شئ جديد مفاجئ .. لقد غرق المصعد فى الظلام. نطق (كوستاس) لتنبعث
من فمه رائحة فظيعة فى الظلام:
"ما هذا النحس .. أية نزهة صباحية هذه؟"
ثم صفق بيده كما نشاهد فى الأفلام
العربية القديمة
لمن كان يريد طلب مشروبات على المقهى
.. نزل على الأرض ليدق الباب هو الآخر
وكان
بنطاله منخرقا من مؤخرته..
أخيراً فتح الباب ليظهر وجهاً فرنسياً شاباً مذعوراً
ذو أنف
صغيرة براقة
ممسكاً ببطارية إنارة بيده ، هتف الجميع بلغته عندما رأووه:
"
أنقذنا .. أنقذنا " .
رد الشاب المذعور أكثر منا:
"
دقائق بسيطة وسيأتى المهندس للمصعد حالاً ليرى
ما حدث
"..
ثم تذكر التعليمات فقالها كأنما يقرأها من كتاب.
"
لا تتحركوا كثيراً ..
وتنفسوا ببطء .. ولا داعى للعبث بلوحة المفاتيح
"
..
ومضى دون أن يترك لنا البطارية.
قال (كوستاس) بعصبية اليونانيين:"
ماذا يعنى هو المأفوف أن نتنفس ببطء .. هل
سيعلمنا كيف نتنفس ؟ أنا لا أحب الأماكن الضيقة
"
.
إستغلها (كرسبى) فرصة ليرد عليه بما يود أن يخبره به منذ فترة قائلاً:
"
لا
تنزعج أيها السيد .. برجاء عدم نفث هوائك فى وجوهنا
".
إقترب (كوستاس)
منه
أكثر صائحاً:
"
ماذا تريد أنت أيضاً ؟ هل ستمنعنى
من التنفس أيضاً؟"
.. ووضع (كرسبى) منديله على أنفه وبدا أن سيرد عليه
فالإثنان جاران لدودان فى البحر المتوسط .. تفور دمائهما بسرعة..
دخل(رحال)
بينهما قائلاً:
"هدوء يا سادة .. إلمَ الخلاف بينكم إلمَ ؟ وهذه الضجةُ
الكبرى علامَ ؟ .. وفيما يكيدُ بعضكم لبعضٍ؟ وتبدون العداوة والخصامَ ؟
الرجل يقصد أن نتنفس ببطء لأن الأوكسجين داخل المصعد قليل ويجب أن نحافظ
عليه قدر الإمكان
" .
صاح الإثنان
به
فى وقت واحد:
"وما شأنك أنت .. هل تفهم أكثر منا؟"
قالت (لوييز) بصوتها الحاد :
"
أنا أخاف من الظلام سأختنق .. أشعر بالإختنـاق
".
إستغربت .. لماذا تقول كلمة الإختناق فقط متقطعة هكــذا..
قال
(رحال)
لهم الفكرة التى راقت
له
حالاً
:
"استعملوا هواتفكم المحمولة للإضاءة" .
أخرجت
(لوييز) هاتفها الصغير.. وضغطت عليه وكذلك فعل (كرسبى) .. كانا هما فقط
الذين معهم هواتف ، بدا الأمر أفضل قليلاً بهذه الإضاءة الفسفورية بالإضافة
للإضاءة البسيطة القادمة عبر الفتحة الضيقة.
قال (مدار) مواصلاً بحثه داخل اللوحة عن فيل صغير:
"
قربا هذه الإضاءة فأنا بحاجة إليها هنا
"
قال (كرسبى) له شاكاً فى قدرته على حياكة ثقب بنطاله:
"
لا تقترب من اللوحة
لقد
حذرنا
الرجل المسئول من ذلك
" .
قال له (مدار) وهو يعمل دون أن ينظر إليه وقد بدت
عمته
بنية
من الضوء الساقط عليها
:
"
مسئول .. فليأتى هذا المسئول هنا ويقول رأيه ..
إنها حياتى أحافظ عليها
"
..
ثم صاح
بـ (كرسبي)
و (لوييز) :
"
قربا هذه الإضاءة اللعينة بدلاً من تطلعكما على بعض" ..
إقتربا منه الإثنان خائفين .. كانت (لوييز) تخشى أن يبرز ثعبان من رأسه
فجأة لينقض عليها ليبتلعها داخل رأسه .. فكرت أن العيش داخل رأس هذا
الإنسان سيكون رهيباً .. ضغطت على الهاتف من جديد ليضئ له قدر الإمكان ..
إلتفت (مدار) لـ (تشن):
"
أنت – ما اسمك؟
"
رد (تشن) وقد فوجئ بالسؤال الذى لا
يحبه:
"وما شأنك أنت .. هل ستحقق معى
؟
"
"
لا .. تعال هنا وساعدنى .. أمسك هذه المسامير الدقيقة وحاذر أن تسقط منك
".
سأله (تشن) وهو يأخذ منه المسامير:
"
هل أنت ذاهب إلى الإعلان عن وظيفة دهان؟
"
رد (مدار):
"
لا .. أنا رائد فضاء ثم صرخ به ماذا ترانى أفعل هنا؟ هل أنت
دهان؟
"
رد(تشن)
بعصبية
محركاً يده:
"
أحياناً ..
ييييي
..
"
لقد أسقط المسامير أمره (مدار) بقلق:" لا
، أرجوك أعثر عليها فهى هامه
كعينيك
".
نظر له (تشن) غاضباً متمتماً بالصينية:
"
عيناى .. عيناى .. الجميع يسخر
منهما
"
..
أشار
(رحال)
إلى (كرسبى) الذى شغف بالإبتسام إلى (لوييز)
دون شئ آخر:
"
يا سيد .. يا سيد .. أضئ له الأرض حتى يعثر على المسامير الهامة
".
نزل (كرسبى) إلى أسفل وضغط الزر قائلاً لـ (تشن):
"
أهلاً .. عيون جميلة
"
..
فاض بـ (تشن) الكيل فراح يلقى بجمل كثيرة على رأس (كرسبى) بالصينية ..
فبادله (كرسبى) مثلها بالإيطالية .. ثمة صوت من خارج المصعد أنهى الموقف.
نزلنا جميعاً إلى أسفل ناظرين إلى الرجل الجديد الذى قال:
"
إهدأوا
يا سادة لقد وصل المهندس إلى غرفة التحكم
".
.. وكان يحرك رأسه الصلعاء فى توتر .. تنفس الجميع الصعداء لقرب إنتهاء
الأزمة .. ماعدا (كوستاس) الذى قال وهو يمسك رأسه:
"
أنا أشعر بالإختناق لقد مضى لى 30 عاماً فى البحر .. لا أحب هذه الاماكن ..
ولا أثق بمن لا شعر فى رأسه
"
.
ثم أشار إلى (ديالو) الذى بدأ الإستماع إلى موسيقاه ثانية بصوت عال:
"
أنت
أخفض هذا الإزعاج .. إنه يزيدنى إضطراباً
"
..
خلع (ديالو) السماعات من أذنيه قائلاً:
"
وما شأنك أنت أنها أذنانى وأنا حر
فيهما أفعل بهما ما أشاء
"
.. ثم نزع السماعات غيظاً فيه لتنطلق الموسيقى عاليه صاخبة .. كلمات لأغنية إسمها
(الدق على أبواب الجنة)
الدق .. الدق على أبواب الجنة
الدق .. الدق على أبواب الجنة
الدق .. الدق .. على أبواب الجنة
واصلت الفرقة الدق دون أن يفتح لها ..
ثوان وقال (كرسبى) بعصبية:
"هذه الأغنية نذير شؤم .. فى هذه الأوقات ..
إطفئها أو شغل موسيقى كلاسيكية .. كلاسيكية فقط
"
..
أشار
(رحال)
إليه أن يعود إلى (تشن) الذى لا زال يبحث عن المسامير التى تبعثرت مع جمله
التى ألقاها فى وجه (كرسبى) ..
إلتفت
(رحال)
إلى
(ديالو) أعلى قائلاً له:
"
يا سيد .. الموقف لا يحتمل هنا هذه الموسيقى .. أطفئ الجهاز من فضلك
"
.
رد (ديالو):
"
ما شأنك أنت إيها العربى؟ هل تريد لعب دور الرجل الطيب هنا؟
لما لا تضع على رأسك هالة النور الوديعة؟ لماذا لا ترتدى الأجنحة البيضاء؟
لاريب أن قومك لهم يد فيما نحن فيه الآن " .
صوت أحدهم من الخارج مرة أخرى .. نزلنا إليه فإذا به يقول:
" إصبروا
ياسادة هل الجميع أجانب بالداخل؟
"
كان
بخلاف الآخر
لديه شعر غزير بشكل مبالغ فيه
ويضع علكاً بحجم
الجرو
فى فمه.
صرخت (لوييز)
من وراء
(رحال)
ليخترق صوتها أذنه
كالرصاصة:
"
أنا
(لوييز) الفرنسية الوحيدة .. ومعى هذا الإيطالى الوسيم
..أخرجونا من هنا
.."
نظر الرجل إليهما فقط قائلاً:
"
أهدئى يا سيدتى. نحن فى الطريق إليكم ..
وهرول مبتعداً بعد أن ناولها كشافاً صغيراً
".
قال (ديالو) غاضباً:
"
ما هذا (الهلس) الذى قاله؟ هل سينقذوهما وحدهما
ويتركونا نسقط؟
"
صرخت به (لوييز) خائفةً منه:
"
وما شأنك أنت أيها .. أيها الطويل؟ أنا المرأة
هنا .. والنساء أولاً .. ألا تعلم هذا أم أن بلدك لا يوجد بها نساء
"
.
رد (ديالو) كالمدفع:
"
أيها ماذا .. كنت ستقوليها .. أيها الأسود أليس كذلك؟
لم لم تقوليها .. لاريب أن جدك هو الذى قتل نصف عائلتى
"
..
ردت عليه بإباء مدافعةً عن جدها المقدام:
"
لا .. لقد كان جدى قائداً عظيماً
فى حرب (الباكلاه)
"
.
هتف (ديالو):
"
أرأيتم لقد كان قاتلاً إذن .. لم أكن مخطئاً
عندما قلتها
"
.. لا يعلم (ديالو) أن حرب (الباكلاه) هذه لم يمت فيها أحد على
الإطلاق
هنا تدخل (كرسبى) مناصراً (لوييز):
" لا توجه كلامك إليها بل وجهه إلىّ إذا أردت"
و .. وقطع كلامه إنطلاق أزيز
متقطع داخل سترته ويده فيها والجميع يراقبه .. أخرج جهاز كمبيوتر صغير
بحجم الكف. ليعبث بزرين به لينتهى الصوت .. ثم قال بقلق ناسياً (لوييز)
و (ديالو) ..
"
إنه ميعاد دواء التوتر
"
.. قلد ضاعت عليه هذه الحبة
.
فتحت (لوييز) حقيبتها لتعبث بعدة أشياء بها لتخرج علبه صغيرة لتضعها أمام
وجهه قائلةً:
"
هل هذا هو النوع الذى تستعمله؟
"
رد بإدهاش :
"
تمام .. إنه هو هل يمكننى .. فتحت العلبة وناولته قرصاً فى يده
حبة أخرى ثم سألها: هل كان جدك من آيسلندا؟
"
ردت بحزن:
"
نعم .. لقد كان قائداً عظيماً .. مات وهو يصطاد السمك بقاعدته
أثناء الحرب .. لقد قالت لى أمى ذلك
"
.
قال آسفاً:
"
تقبل تعازى وبالغ أسفى
"
..
وضع الحبتين فى فمه .. يريد قليل من الماء ولكن لا يوجد هنا .. إبتسم إليها
رافعاً حاجبيه .. وإبتلعهما ليصرخ:
"
هاااع .. هووع .. هاااووع
"..
يبدو
أنهما وقفتا فى الطريق
إلى معدته.
مد (ديالو) يده وضربه بكفه المضمومه التى تشبه المطرقة الضخمة .. لتطير
الحبات من فم (كرسبى) .. وواصل سعاله
:
"
.. هاااع .. كحع
" ..
قال له (كوستاس) محذراً:
"
لا تتقيأ أنا أعلم هذه الأمور .. لا تفعلها .. لا
تتقيأ هنا
"
..
رد (كرسبى):
"
لا تذكرنى بذلك أيها المغفل .. أ أووووع
"
..
لقد فعلها (كرسبى) بالفعل وتقيأ فى كل مكان تقريباً .. يبدو أنها المرة
الأولى له فى حياته .. والرائحة صارت كدورة المياه العمومية داخل الاستاد
بعد إنتهاء المبارة .. بعد أن سكن قال:
"
أريد
منديلاً جافاً سميكاً
"
.. ناولته (لوييز) واحداً نظر إليه قائلاً:
"
ألا
يوجد لون أبيض معك .. عندى حساسية من اللون الأصفر" ..
أخرجت
(لوييز)
زجاجة عطر نفاذه ورشت منها على جميع الحاضرين
"
فس ..فس ..فس"
أصبحنا الآن مكدسين فى نصف مساحة المصعد. نظراً لما فعله (كرسبى).
قال (مدار) مواصلاً عمله غير مكترث بما يحدث حوله:
"
أحتاج إلى شئ معدنى طويل
"
.. راحت (لوييز) تعبث فى حقيبتها التى تصدر أصواتاً متعددة .. مد (مدار)
يده وأخرج إحدى ماسكات شعرها قائلاً:
"
أشكرك .. لقد وجدت
ما أريد "
انتهى هذا الجزء من المشهد
أبحث عن مخرج مسرحي وفرقة