الاثنين مساءاً .. ليلة السفر .. نتابع نشرة
الأخبار
" .. هذا وقد تم إجلاء مئات الآلاف من سكان مدينة (براغ) العاصمة التشيكية ..
"
صور لطوابير من البشر تهرب حيث المجهول والحزن باد على وجوههم".
وقد امتدت الفيضانات لتصل إلى مدينة (دريدسن) الألمانية ..
..
بدأ
(وصيد) في الضحك " هاهاها .. هاها
الناس تهرب من هناك وأنت تجهز
حقائبك "
(صور لمبان عتيقة وقد غمرتها المياه)
رددت عليه بلا مبالاة
:
" أن هذا بعيد عن (برلين) .. لقد اخبرنى خالي
(دياب)
أن الأمر على ما يرام .. "
تابع مشيراً إلى الشاشة
" هاها ..
نعم .. إن هذا واضح تماماً"
والمذيع يتابع:" .. أما فى وسط أوروبا فقد أرغم السكان
على القيام بعملية إجلاء واسعة هى الأكبر من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية
الثانية .. وقد قدرت الأضرار بنحو 10
بلايين دولار .."
تسألت
بدهشة :"
لماذا تقدر الأضراردوما بالدولار
حتى ولو جرت
الأحداث فى
غير أمريكا؟
"
إن
البداية لا تبدو مبشرة على الإطلاق ..
إن مهنة (المراكبى) لا تناسبنى فأنا لا أحب أن أبدأ ها ب(التجديف)..
مر (دبشة) أمامى وحاول الصعود على قدمى
مداعبا على ما يبدو..
(هشش)..وضربته
على رأسه مداعبا أنا الآخر
ذهب الى (وصيد)
متبخترا
.. (هششش) ..
-" لم لا تأخذه معك؟ "
- لا أحب أن يطردني خالنا من أول ليلة
..
- "إذن أعطه هدية للطيار .. أنهم يحبون مثل هذه الكائنات"
-
"
الأمر لا يحتمل المزيد من حوادث الطيران ..أتذكر يوم أخذناه معنا
رحلة
الإسماعيلية ؟
"
-
"هشش .. بس "
– "ابتعد عن الحقيبه"
.. كانت حقيبتي مفتوحة فوق الأريكة وقد اعجب برائحة الجوارب فراح يعب منها
عباً ..
هب (وصيد) واقفا كالسوستة:
"هيا
بنا إذن
لقد كدنا أن ننس أهم شيء"
.. وقالها فى حدة أفزعتنى ..
-
"إلى أين"؟
كان توترى لا يحتاج إلى حدته
, فلم ننس شيء على ما اعتقد
- رد بحنو الأخ الأكبر ممسكاً ذقني "لا شئ
سأدعوك للعشاء .. أنسيت أنها
آخر
ليلة "
..لا
أدرى ولكنى ألقيته بشئ ما..
قط
عابر مثلاً ..
" نياوووو
.. وووو "
*
* * * *
داخل الطائرة ..
واصلت مراقبة جارى (الالمانى) الذى لم يتحدث منذ أقلعنا منذ قرابة الساعتين
.. فقط هز رأسه بعد جلوسه ثم انهمك فى دراسة أوراق ومطبوعات صغيرة ملونة ..
أغمضت عينى ورحت أفكر فيما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة..
*
* * * *
فى صالة الوصول
طالعت
الوجوه الكثيرة .. عساي أن أجد بينهم خالى (دياب) .. ها هو .. يلوح بيديه ..
لقد أثرت السنين على
لون شعره .. إلا أنه مازال كما قال لى أبى
دوماً .. " إن خالك
(دياب) .. صاف كالبلور" ..
" رحااال "
" خالي
ي ي "
عناق وقبلات وأشواق .. إنه بالفعل ندى الروح كأني تركته
منذ يومين .. لا منذ زمن بعيد ..
سألته:
"ما هذا الطقس الذي عندكم؟"
رد
:" لقد تحسن كثيراً .. إنك لم تشاهد ما
حدث منذ يومين .. لقد بدأ الأمر كمعركة "
بدأنا فى التحرك نحو خارج المطار .. نظرت إلى السماء الملبدة ..
قال (دياب) : ابتسم يا فتى .. وأدعو الله بالتوفيق .. فإن أول الغيث قطرة
..
رددت عليه بقلق داهمنى
ولا أدري مصدره
وقد بدأ الرذاذ
فى اللطم
بشدة:
"يأتيك كل غد بما فيه
(1)
نسأل الله دوام العافية"
تابع
وهو ينظر إلى أعلى:"هيا بنا إذن قبل أن تطبق علينا المياه
من كل ناحية "
" يا لها من بداية " .. هكذا تمتمت داخلى وأنا لا أدرى أن البداية الحقيقية
.. لم تبدأ بعد ..
(1)
من الآمثال العربية ..
*****
البداية .. (آلان) يمارس عمله بالغ الدقة
لا تبدو الرؤية تامة الوضوح من بعيد لقلب هذه الغرفة الغارقة فى جو من الهدوء
.. فلتقترب قليلا لنرى هذا الرجل الجالس أسفل إضاءة
مركزة
،إنه يبدو الآن
بشكل أكثر وضوحاً .. ماذا يصنع .. يبدو
عملاً بالغ الدقة ويحتاج إلى تركيز عال لإتمامه على
أكمل وجه..
فخطاؤه هنا
له ثمنه الغالى
الذي يصعب تعويضه إلا بعد فترة ليست بقصيرة
.. حاد الملامح رمادى اللون والشعر
والملابس
كأنه قلم رصاص جديد فهو لا يرى الشمس إلا نادرا .. رائحة كريم شعره النفاذة
واضحة تضرب في الأنف هل لاحظها
أحد
..؟
عدل وضع نظارته المستطيلة
الأنيقة
ليتابع عمله بيدين ذات الأصابع الماهرة الطويلة .. كما
قلنا فالخطأ لديه ثمن غال عليه .. فلا أصوات
تزعجة ولا مساعدين للمعاونة بل كان كل ما يريده حوله فى بيته فى (لوزان)
(1)
.. استند على مكتبه الأنيق بمرفقيه وأخذ ينفث الهواء ببطء في كلتا كفيه
المجهدتين من طول ساعات العمل ثم عاد
مواصلا عمله
باستخدام أداة دقيقة
للغاية
..
(1) بلد ساحر فى جنوب سويسرا . ليس بعيداً عن الحدود الفرنسية بها بحيرة
(ليما) أكبر بحيرات الألب وهى العاصمة الأوليمبية ولم تنظم بها مرة واحدة..

*****
صوت
جرس
مكتوم كأنه مصاب بالبرد يتصاعد بالمكان
تدريجياً
..ضغط
(آلان) بقدمه على زر ضخم موضوع على الأرض متصلاً بالهاتف فهو لا يستطيع أن
يقطع عمل يديه بغتة عن العمل .. ففي بعض مراحل العمل يغدو ذلك عسيراً بل
مستحيلاً.. خصوصاً المرحلة الخاصة بوضع العقارب
الصغيرة
فى مكانها..
(آلان) :" مساء الخير "
(المتصل) :" مساء الخير عزيزي (آلان)
.. كيف حال جوهريتك؟ "
يقصد يديه الماهرتين ..
هكذا كان يكنيهما جميع من يعرف (آلان)..
عرف (آلان) المتصل على الفور من طريقة حديثه
التجارية السريعة وقلب لسانه ليتحول لطريقة مشابهة-هو
لا يحب عمل ذلك لكنه يضطر إليه- :" (بانر) أيها الوغد
، إنك لا تتصل لتسأل عن الجوهرتين .. أنك لا تتحدث إلا في
وجود عمل..
والعمل
فقط
..كيف حال الشمس عندكم في برلين؟ "
صدرت عن (بانر) ضحكة وقال
:"بخير، لقد اختفت في إجازة .. إن الحديث عن العمل لا يضايقك ,ففي
هذا فائدة لك .. أليس كذلك؟ "
رد (آلان) وهو يواصل عمله بلا إنقطاع:
"وأنت كذلك تستفيد , هاه ماذا تريد؟
"
رد (بانر) مباشرة كأنما يتفقان على نوع السلعة
والمواصفات :
"ثلاث
قطع نظيفة من الطراز الآخير .. نفس المواصفات .. والحجم والسعر و.."
هنا قاطعه (آلان) قبل أن يسترسل (بانر)
بطريقته
السريعة
فى إملاء الشروط والمواصفات كعادته :"ولكن السعر سيرتفع 5% هذه المرة .. كما أريد 5%
زيادة فى الدفعة المقدمة "
(بانر)
متسائلاً
:"ولماذا هذا الارتفاع يا عزيزي؟"
-لاحظ
أن عزيزي دوماً أقل من صديقي وتوحي بالانزعاج من شئ ما-
(آلان) بآليه
حوار
كمهارة يديه
في العمل
:" أنها المواد الأساسية للعمل .. فهي في شحة وندرة والكثيرون يسعون للجرى
وراءها . والطلب يزداد عليها يوماً بعد يوم . كما أن التضخم ارتفع هذه الأيام
كما تعلم
(3) "
يبدأ (بانر) في المساومة
وقد فوجىء بطلب (آلان):
"ولكن هذا لا يصنع الفارق الضخم .. إن 5% إضافية تعنى حوالي ...-
واستعمل رأسه
(3)
بالفعل مع بدايات
تطبيق الاتحاد الأوروبى نظام العملة
الموحدة بين دوله .. ارتفعت بنسبة التضخم فى شتى بلدان
أوروبا بنسب تتراوح ما بين 4-7%.
كألة حاسبة سريعة-
حوالى .. "مائة وعشرون آلف يورو"
..(لم يرد (آلان) على ذلك..)
..
..واصل (بانر)
"ألا تخفضها قليلا؟"
:
(آلان)
:
"أنت تعلم السوق تماماً والأسعار مكشوفة
للجميع" ..
كان (آلان) قد إضاف زيادة مرتفعة بعض الشئ تحسباً لهذه المساومات من
الزبائن.
(بانر) :" قليلاً فقط .. من أجل .."
وراح يجول بأركان عقله المزدحم بالاحداث عن شئ يسترضيه به حتى وجد واحدة
فألقاها :
" من أجل سهراتنا الجميلة على نهر (هافل)(1)
"
راح (آلان) يفكر بسرعة فهو لن يضيع (بانر)
من يديه ولكنه يسعى لأفضل مكسب
لذا ترك عمله وشبك أصابعه
قائلاً :
"فير
بيرسنت"(2).
كان هذا جيد لـ (بانر) من جميع الوجوه
فهو يعلم أسعار السوق جيدا كما أن لمهارة (آلان)
سعر خاص
لذلك لم يقم بالضغط عليه أكثر من ذلك
حتى لا تنكسر المفاوضات لذا
قال
بسرعة:
"جيد
.. نفس المواصفات ومكان التسليم للعربون"
(آلان) :
"نعم .. سنكون على اتصال لتحديد
ميعاد
تسليم العربون
خلال 72 ساعة.
"
(بانر) :"
بالطبع .. الى اللقاء .. اعتن بالجميلتين جيداً
"
. وأنهى المكالمة وهو يزفر في قوة وعمق..
(1) نهر فى شمال شرق (ألمانيا) ويصب فى بحر الشمال
(2) تعنى 4% ..
*****
أنهى (آلان) المكالمة بدوره
بالضغط
بقدمه على الزر الضخم مرة أخرى . شعر برغبة ملحة فى العطس لذلك قام سريعاً
وابتعد عدة خطوات ليعطس بلا صوت ولا رذاذ
-عادة خاطئة صحياً- .. كما أنه من الخطأ فعل ذلك أمام
أدوات عمله ..
مسح أنفه بمنديل حريري أنيق .. لا وقت للمرض آلان فلابد أن يزيد من عدد ساعات
العمل من أجل هذه الصفقة الثمينة التى جاءته على غفلة بلا ترتيب كعادته
دوما(بانر)
يفاجئه
بلا تمهيد مسبق
راح يحسب ثانية عائدها المادى
بشكل سريع
.. أخرج صورة لعدة منازل انيقة فى واد من اللون الأخضر
والأخضر فقط
ملتقطة من سماء صافية .. يبدو أن المنزل الذى أعجب
به
فى قرية (لومون)(1)
سيمكن شراؤه بعد هذه الصفقه فسيكتمل ثمنه تقريباً .. لقد رأه فى جولة بالأمس
فى طائرة هليكوبتر مع أحد السماسرة .. الأدهياء
(1)
من
القرى الجميلة في سويسرا .
فتح علبة صغيرة وأخرج حبة ليبتلعها سريعاً دون ماء.. ثم عاد للجلوس فالعمل
ثانية بنشاط.. فهذا البيت أعجبه كثيراً والجو أهدأ ويناسبه أكثر فى (لومون)
حيث سيخصص قاعة أكبر للعمل وأخرى لاستقبال العملاء..
نتركه الآن لنبتعد وهو غارق
بين العمل والأحلام.
في